محمود توفيق محمد سعد
320
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وقد كان البقاعي مبصرا وجه الاستفهام في هذه الجملة وتناغيه أيضا مع دلالة النفي على هذا الإشفاق على النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . ويقف " البقاعي " عند البيان بالفعل ( تلهى : تفعل ) وما بين مدلول مادته وصيغته وما اعتراها من حذف والسياق والقصد الأعظم من السورة من التناسب البياني البديع ، فيقول : " ولمّا ذكر المستغنى ذكر مقابله ، فقال : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي خاصّة في ذلك المجلس ؛ لكونه في الحاصل ( تلهى ) أي تتشاغل ؛ لأجل أولئك الأشراف . . . تشاغلا خفيفا بما أشار إليه حذف " التاء " من لهى عنه كرضي : إذا سلي وغفل وترك وفي التعبير بذلك إشارة إلى أن الاشتغال بأولئك لا فائدة فيه على ما تفهمه تصاريف المادة ، وإلى أن من يقصد الانسان ويتخطى رقاب الناس إليه له عليك حق عظيم " « 1 » حذف " التاء " من صيغة " التفعل " في الفعل ( تلهى ) فلم يقل ( تتلهى ) وتقديم الجار والمجرور ( عنه ) دالان دلالة باهرة على أنّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ما كان منه إلا مع ذلك المعاتب في شأنه ، وأنه ما كان ليفعل لولا حرصه على ما فيه الصالح الأعلى بمقاديره البشرية ، فحذف " التاء " آية على أنّ هذا الفعل غير متمكّن فيه ولا مستهتر في إيقاعه وبديع أن كان الحذف لحرف معنى له الصدارة في صيغته ، فهذا موح بفقد الفعل الخاصة الدلالية لهذه الصيغة فكان فيه فارق بين تلهى النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا وتلهى غيره وكانت التفاته إلى وجه اصطفاء مادة ( لهى ) دون ( شغل ) وأنه - صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا - ما باشر بذلك شيئا من اللهو الذي اعتاده الآخرون ، بل هو قائم بما فيه صالح الدعوة ، ولكنّ القرآن الكريم صور هذه العناية بدعوة أولئك الصناديد بصورة اللهو نظرا إلى عقباها ل انظرا إلى حال فاعلها ، وهذا فيه عظيم مذمّة وهجو بليغ لأولئك الصناديد ، ومآذنة بأنّ كلّ مجاهدة مع أمثالهم في دعوتهم إلى الإسلام لن تؤتي ثمارها وأنّ عقباها عقبى التلهي ، فإذا ما لامست تلك الكلمة سمع النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 21 / 255 - 256